قال الرواة :

لما استقر المقام بساري عسكر نابليون في بر مصر ، سار فيها من كان معه من العلماء يصفون كل ما يرونه من شيء و دين و عادة ، و كان من جملة ما قالوا فيه "غوازي القاهرة" ، على ما تراه في قول المسيو فيوتو في الصحيفة 156 من الجزء 8 من وصف مصر : "و من العسير أن نصف هذا النوع من الرقص في لغتنا بدقة ، إذ يأتي على نحو لا يستطيع أحد أن يتخيل معه شيئا يفوق فحش حركاته ، و يعبر هذا الرقص الذي لا تكاد تسهم فيه سوى القدمين و أعلى الجسم بأكبر التبذلات جسارة عن الانفعالات الجامحة التي يمكن أن تحدثها الشهوة في النفس و الأفعال التي يمكن أن تؤدي إلى تصاعد عاطفة شبقة و دغدغة بالغة القوة لرغبة حسية ملحة" .
قلتُ: و لستُ أحب لوهمك أن يذهب بك بعيدا فتظن ههنا شيئا كالذي تراه من نجوم زمنك ، فها هو المسيو جومار يصور لك هيئة الغوازي ، كما في الصحيفة 314 من الجزء 10 : "و ليس لزي العالمة شيء من الخصوصية تقريبا ، فهذا الزي مثل زي جميع النساء الأخريات ، عبارة عن الثوب المفتوح الذي يتيح رؤية العنق كاملا ، فأما الشعر فهو مضفور بشرائط تتخلله ، و الرأس تغطيه عمامة ..." ، و أنت خبير بأن هذا زي طالبات الأسر المحافظة في زمنك !
لكن جَدّ في "تاريخ الخلاعة" أمران :
أما أحدهما فأن المصريين رأوا أول مرة تبرجا في غير الغوازي فيمن صاحبن الفرنسيين من النساء ، على ما يقوله الشيخ الجبرتي في الصحيفة 262 من الجزء 3 من تاريخه " وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة، ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة؛ فمالت اليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل و الفواحش" .
و أما الأمرالثاني فما أحدثه بعدُ وليُّ النعم محمد علي باشا من تنظيم طائفة للغوازي و توظيف ضريبة مقدرة عليهن يجبيها منهن الوالي .
قال الرواة:
فكان أن فشت العوالم و شِعْنَ في بر مصر حتى ملأن المحروسة ، فضجَّ أتقياء القاهرة من كثرة الفساد، و تعهدوا للوالي أن يدفعوا إليه مقدار ما يجبيه منهن على أن ينفيهن خارج القاهرة ، فنفاهن إلى إسنا و أطراف النواحي !
* * *

و مرّ الصبح و المساء ، و إذا الغجر يرجعون من أطراف النواحي نجوما مكرمين ، لا يردهم عرف و لا دين ، و صار الجيل العصريّ الذي لا يدري ما كان ينطلي عليه الغجر باسم فنانين ، و يروج عليه باسم فن ما كان يصنع ليالي المولد و الطهور ، حتى طمّ بهم الوادي و تجاوزوا إلى ما لا يطاق من التسافد جهرا على رءوس الناس ، و يسمونه جرأة و سخونة ، إي و الله هكذا يقولون !!
و عاد وليّ النعم يأكل ضريبتهم أكلا لمّا ، و يجعل منهم سفراء للنيات الحسنة ، و استدار الزمان كهيئته منذ قرنين ، فهل بقي بعد قرنين من الزمان في القاهرة أتقياء يضجون ، و يردون الغجر إلى أطراف النواحي ؟
كتبها : عابد



